بحث

بعد 34 سنة مضت على الصراع في الصحراء الغربية و ما شهده هذا الصراع من فصول دامية ودسائس ومؤامرات دفع ثمنها الشعب الصحراوي خاصة و الشعوب المسلمة في المنطقة عامة يأخذ هذا الصراع اليوم منعرجا جديدا لما تشهده الساحة السياسية العالمية من تطورات وأحداث بدأت معالم توظيفه تتضح بعد تحدد الرؤيا الأمنية الأمريكية في المنطقة


الجيش الصحراوي من جيش تحرير... إلى جيش حرب بالوكالة
القضية الصحراوية بعد الزج بها في مسلسل أممي طويل من المفاوضات العقيمة و النجاح في إخراج جبهة البوليساريو من النسق الثوري المسلح إلى الحركة الوديعة المسالمة و تقويض جيشها وتوجيه قواعدها الجماهيرية في المنفى والأراضي الخاضعة لسيطرة المملكة المغربية إلى الأسلوب السياسي السلمي ودفع الجزائر إلى قبول التصور الأمني الجيوستراتيجي الإستشرافي للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو في منطقة شمال غرب أفريقيا والصحراء الكبرى ...من هنا تبدأ فصول التغير في صراع الصحراء الغربية.

الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية لم تكن تنوي يوما من الأيام حل القضية الصحراوية لما لها من دور في تحقيق التوازن الجيوسياسي في منطقة المغرب العربي وتزداد هذه الرغبة يوما بعد يوم رغم إمساك الأمم المتحدة بزمام الملف التي تبدو عاجزة كما كانت من قبل في الدفع به إلى الحلحلة وإنهاء مأساة الاف من اللاجئين و المنفيين .

فبعد خوض امريكا لحروب على جبهات متعددة ضد قاعدة الجهاد العالمي تأكد لها إستحالة دحر هذا التنظيم ومواجهته دون مساعدة دول العالم وخاصة تلك التي تنشط فيها الجماعات الجهادية ومن أجل تجاوز مخاطر المفاجئات التي قد يحدثها هذا التنطيم تعمل الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو على عدم تنامي قدرة الجهاديين في المنطقة وإتساع إنتشارهم مما قد يسبب زعزة إستقرار الدول التي يعتبرها الغرب خطا أحمرا يهدد أمن وسلامة أوروبا ومن هذه الدول المملكة المغربية فقد لعبت الظروف الأخيرة في المنطقة التي شهدت بروز تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي الذي إستطاع تقديم إيديولوجيته إعلاميا و عسكريا وعقائديا تأكيدا لصناع السياسة العالمية بضرورة ضبط الحراك التي قد تفرزه تداعيات قضية الصحراء الغربية ..

المؤسسة العسكرية الجزائرية تدرك تماما قيمة ورقتي البوليساريو والشعب الصحراوي كيف لا وهي التي نجحت في إحداث التوازن العسكري أمام الجيش المغربي مكنها من الحفاظ على إستقرار الحكم في الجزائر فقد كانت حرب المقاتلين الصحراويين ضد القوات المغربية في كواليس السياسة الأمنية الجزائرية إحداث التوازن الإقليمي المقبول في التجاذبات التي تسمج بها الحرب الباردة و ليس التفوق الذي يمكن مقاتلي جبهة البوليساريو من إلحاق الهزيمة بالجيش المغربي فقد كان في مستطاع الجزائر إنهاء الصراع بتمكين البوليساريو من إمتلاك السلاح الجوي الحاسم للصراع بعد تهاوي سياسة الأحزمة الدفاعية المغربية و تخرج العديد من الطيارين الصحراويين من الكليات الطيران العسكري الليبية ..وهو مؤشر هام يدعم ما نذهب إليه في هذه المقاربة كون الجزائر تدرك تماما متى وأين وكيف تستخدم البوليساريو وجيشها ؟

المغرب بطبيعة الحال مدرك لأهمية قضية الصحراء ومدرك أيضا للظروف والمتغيرات التي تمر بها المنطقة ودولها والتهديد القادم الذي يمثله التيار الجهادي العالمي فسعى بتقديم خطة الحكم الذاتي كمقترح يطوي ملف هذا الصراع ويذيب مخلفاته الحساسة التي دامت عقود من السنين ويطمئن الغرب بنجاعة خطة المعالجة التي ينتهجها وفات النظام الملكي أن الساسة الغربيين أكثر دراية في المقاربات السياسية التي تخص هذا الملف فخطة الحكم الذاتي لا يمكن لمن على إطلاع بأثار هذا الصراع الطويل أن تكون له الفاعلية في تحقيق الإندماج الإجتماعي والسياسي و الثقافي الذي ما فتىء المغرب يطمئن به حلفاءه الغربيين فتخلف النظام السياسي المغربي و محاولات تلميع صورة قطيعته مع إرث المرحلة السابقة و التفعيل التكتيكي والمتواضع لمنظمات حقوق الإنسان و الحرية السياسية على مستويات و نطاقات ضيقة نقاط يجعل الغرب يدرك جيدا عدم قدرة النظام الملكي المغربي على إحداث الديناميكية اللازمة والشاملة التنظيمية والهيكلية التي تستطيع إقناع جماهير عريضة ناصبت هذا النظام العداء حقبا من الزمن على تبني مشروعه الفيدرالي كمشروع يضمن الحريات المدنية والسياسية لأهل الإقليم تماما كما تقره النصوص والإعراف الدولية .لذا يجد الساسة الغربيين خطة مقترح الحكم الذاتي تنطوي على مخاطر قد تنفجر في أي لحظة نتيجة التناقضات التي خلفتها مراحل النزاع الطويلة. وما يجره من تهديد لإستقرار المملكة و تداعيات ذلك.

في المقابل لن نتعرض لفرضية خيار منح البوليساريو كيانا مستقلا معترفا به دوليا لعدم سماح الظروف العالمية للمقامرة في تغيير معالم المنطقة سياسيا كما أن تخلي جبهة البوليساريو وقادتها عن الكفاح المسلح أسقط ورقة الضغط الكبرى بإتجاه هذا الخيار وساهم عدد من قياديها من خلال سياستهم المعلنة في التأكيد على عدم سلوك الخيار العسكري فلم يلحظ خلال سنوات وقف إطلاق النار الطويلة أي بوادر في الرفع من مستوى الكوادر العسكرية أو أي تجديد للترسانة العسكرية حيث توجهت نفقات الخزينة العامة لجبهة البوليساريو نحو مصاريف الشخصية للقيادة و مشاريع الثقافة والترفيه بل على العكس من ذلك فقدت المؤسسة العسكرية للجيش الصحراوي العديد من الأطر الأكثر تجربة للحروب في حين يبقى الجيش الصحراوي بعيدا عن إستخدام النظم الإلكترونية كمعدات الردارات و الأجهزة الكاشفة للألغام وأجهزة الأتصال الحديثة .هذه المعطيات حسب التقارير الإستخباراتية تؤكد فرضية الأزمة الكاريزمية و الإيديولجية التي تمر بها الثورة الصحراوية التي لم تعد موجهة لحرب تحريرية جماهيرية طويلة كماكانت سابقا.

هذا المسار شاركت فيه صناعته المخابرات العسكرية الجزائرية نظرا لعدم قدرة الجزائر على إدارة حرب مع المملكة المغربية في الوقت تواجه فيه التيار الجهادي المتنامي القوة مما يشكل حملا ثقيلا على المشهد السياسي في الجزائر فاختارت أن تعد جبهة البوليساريو للصراع الجيوستراتيجي الثاني و لكن هذه المرة أمام مد تهديدات تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي الذي فرض نفسه في الميدان.

تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي الذي تنطلق هجمات فرعه في الصحراء من شمال مالي أصبح تهديدا حقيقيا مباشرا للجزائر وموريتانيا في حين أن القوات المغربية تبقى بعيدا عن المواجهة لما سيلعبه الجيش الصحراوي في إبقاء الجيش الملكي في أمان من ضربات القاعدة .

فقد عمدت وزارة الدفاع الجزائرية إلى نقل الاف الجنود إلى الحدود مع موريتانيا ومالي في محاولة لتضييق الخناق على نشاط أفراد القاعدة في الصحراء الكبرى عقب سلسلة إختطافات لأجانب في موريتانيا وفق ضغوط غربية على هذه الدول لخوض حرب بالوكالة حين رأى الغرب فاتورة تدخل القوات الأمريكية المباشر في حربه على الإرهاب ...ساسة الغرب يعون جيدا حجم التحديات المقبلة في المنطقة والعمل على خلق طوق حول معسكرات القاعدة في جنوب الصحرا ء هو أولى الأولويات مما يؤخر أي تغير على مسار النزاع في الصحراء الغربية فدفع المخابرات العسكرية الجزائرية جبهة إلى التعبئة العامة والتحريضة على مستوى مختلف القاطاعات العسكرية ضد خطورة تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي و غض الطرف عن الخوض في قضايا العودة إلى الكفاح المسلح ضد النظام المغربي بعد صدور خطاب شديد اللهجة لملك المغرب ورغم تبين أن الأفق القريب لا يحمل حلا عاجلا للقضية كل ذلك يدل أن الجزائر تتأهب لجعل الجيش الصحراوي جيش حرب بالوكالة في حرب الغرب مع القاعدة مما يعني أنه على الشعب الصحراوي تحمل مزيدا من سنوات التشريد والظلم وبقاء القوات المغربية في أحزمتها الدفاعية في إنتظار ما تحمله معركة الجزائر وموريتانيا والجيش الصحراوي مع كتائب تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي على المستوى القريب

{0} تعليقات الجزائر تايمز - حسن الساعدي